‏إظهار الرسائل ذات التسميات الحديث الشريف. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الحديث الشريف. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 28 يوليو 2013

فؤائد السواك

في هذه القطعة جمل من الأحاديث والأسماء واللغات والأحكام يحصل بيانها إن شاء الله تعالى بمسائل : ( إحداها ) : حديث عائشة : " { السواك مطهرة للفم مرضاة للرب } " حديث صحيح رواه أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام الأئمة في صحيحه والنسائي والبيهقي في سننهما وآخرون بأسانيد صحيحة ، وذكره البخاري في صحيحه في كتاب الصيام تعليقا فقال : وقالت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم : { السواك مطهرة للفم مرضاة للرب } وهذا التعليق صحيح ; لأنه بصيغة جزم ، وقد ذكرت في علوم الحديث أن تعليقات البخاري إذا كانت بصيغة الجزم فهي صحيحة . والمطهرة بفتح الميم وكسرها لغتان ذكرهما ابن السكيت وآخرون وهي كل إناء يتطهر به ، شبه السواك بها لأنه ينظف الفم . والطهارة : النظافة . وقوله صلى الله عليه وسلم : { مرضاة للرب } قال العلماء : الرب بالألف واللام لا يطلق إلا على الله تعالى بخلاف رب فإنه يضاف إلى المخلوق ، فيقال رب المال ورب الدار ورب الماشية كما قال النبي [ ص: 325 ] صلى الله عليه وسلم في الحديث في ضالة الإبل : { دعها حتى يأتيها ربها } ، وقد أنكر بعضهم إضافة رب إلى الحيوان وهذا الحديث يرد قوله . وقد أوضحت كل هذا بدلائله في آخر كتاب الأذكار . ومما جاء في فضل السواك مطلقا حديث أنس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أكثرت عليكم في السواك } " رواه البخاري في باب الجمعة والله أعلم .

وأما حديث عائشة : " { صلاة بسواك خير من سبعين بغير سواك } " فضعيف رواه البيهقي من طرق وضعفها كلها وكذا ضعفه غيره ، وذكره الحاكم في المستدرك وقال : هو صحيح على شرط مسلم ، وأنكروا ذلك على الحاكم وهو معروف عندهم بالتساهل في التصحيح ، وسبب ضعفه أن مداره على محمد بن إسحاق وهو مدلس ولم يذكر سماعه ، والمدلس إذا لم يذكر سماعه لا يحتج به بلا خلاف كما هو مقرر لأهل هذا الفن وقوله : أنه على شرط مسلم ليس كذلك فإن محمد بن إسحاق لم يرو له مسلم شيئا محتجا به ، وإنما روى له متابعة ، وقد علم من عادة مسلم وغيره من أهل الحديث أنهم يذكرون في المتابعات من لا يحتج به للتقوية لا للاحتجاج ، ويكون اعتمادهم على الإسناد الأول وذلك مشهور عندهم ، والبيهقي أتقن في هذا الفن من شيخه الحاكم وقد ضعفه والله أعلم . ويغني عن هذا الحديث حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة } " رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية للبخاري " مع كل صلاة " وقد غلط بعض الأئمة الكبار فزعم أن البخاري لم يروه وجعله من أفراد مسلم ، وقد رواه البخاري في كتاب الجمعة . وأما حديث العباس فهو ضعيف رواه أبو بكر بن أبي خيثمة في تاريخه ثم البيهقي عن العباس ، ورواه البيهقي أيضا عن ابن عباس وإسنادهما ليس بقوي ، قال البيهقي : هو حديث مختلف في إسناده وضعفه أيضا غيره ، ويغني عنه في الدلالة حديث : " { السواك مطهرة للفم } " والله أعلم . وأما حديث عائشة : " إذا قام من النوم يشوص فاه بالسواك " فهو في الصحيحين بهذا اللفظ من رواية حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما ، لا من [ ص: 326 ] رواية عائشة ، وقيل : إن ذكر عائشة وهم من المصنف وعدوه من غلطه والله أعلم . 

 

المسألة الثانية في لغاته : قال أهل اللغة : السواك بكسر السين ويطلق السواك على الفعل وهو الاستياك وعلي الآلة التي يستاك بها ويقال في الآلة أيضا مسواك بكسر الميم ، يقال : ساك فاه يسوكه سوكا ، فإن قلت : استاك ، لم تذكر الفم . والسواك مذكر نقله الأزهري عن العرب ، قال : وغلط الليث بن المظفر في قوله : إنه مؤنث ، وذكر صاحب المحكم أنه يؤنث ويذكر لغتان ، قالوا : وجمعه سوك بضم السين والواو ككتاب وكتب ويخفف بإسكان الواو ، وقال صاحب المحكم : قال أبو حنيفة : يعني الدينوري الإمام في اللغة : ربما همز فقيل سؤاك ، قال : والسواك مشتق من ساك الشيء إذا دلكه ، وأشار غيره إلى أنه مشتق من التساوك يعني التمايل ، يقال : جاءت الإبل تتساوك أي تتمايل في مشيتها ، والصحيح أنه من ساك إذا دلك ، هذا مختصر كلام أهل اللغة فيه . وهو في اصطلاح الفقهاء استعمال عود أو نحوه في الأسنان لإذهاب التغير ونحوه والله أعلم . وقوله : " مطهرة للفم مرضاة للرب سبق شرحهما ، وميم الفم مخففة على المشهور ، وفي لغية يجوز تشديدها ، وقد بسطت ذلك في تهذيب الأسماء واللغات ، وقوله : " يستحب في ثلاثة أحوال " كذا هو في المهذب ثلاثة وهو صحيح ، وفي الحال لغتان التذكير والتأنيث فيقال ثلاثة أحوال ، وثلاث أحوال ، وحال حسن ، وحالة حسنة . وقوله : " { صلاة بسواك خير من سبعين صلاة بغير سواك } " معناه ثوابها أكثر من ثواب سبعين ، وقوله : لا تدخلوا علي قلحا بضم القاف وإسكان اللام والحاء المهملة جمع أقلح وهو الذي على أسنانه قلح بفتح القاف واللام وهو صفرة ووسخ يركبان الأسنان . قال صاحب المحكم : ويقال فيه أيضا القلاح بضم القاف وتخفيف اللام ويقال قلح الرجل بفتح القاف وكسر اللام وأقلح . وقوله : وقد يكون بالأزم وهو ترك الأكل ، الأزم بفتح الهمزة وإسكان الزاي وأصله في اللغة الإمساك وذكره الشافعي وتأوله أصحابنا . تأويلين [ ص: 327 ] أحدهما : الجوع ، والثاني : السكوت وكلاهما صحيح ، وقول المصنف : " ترك الأكل " كان ينبغي أن يقول : " ترك الأكل والشرب " . وقوله : " يشوص فاه " بضم الشين المعجمة وبالصاد المهملة ، والشوص دلك الأسنان عرضا بالسواك ، كذا قاله الخطابي وغيره ، وقيل : الغسل وقيل : التنقية ، وقيل غير ذلك ، والصحيح الأول والله أعلم .

المسألة الثالثة : العباس هو العباس بن عبد المطلب أبو الفضل عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمام نسبه في رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين أو ثلاث ، توفي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين ، وقيل أربع وثلاثين ، وكان أشد الناس سمعا .

المسألة الرابعة في الأحكام : فالسواك سنة ليس بواجب ، هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلا ما حكى الشيخ أبو حامد وأكثر أصحابنا عن داود أنه أوجبه ، وحكى صاحب الحاوي أن داود أوجبه ولم يبطل الصلاة بتركه ، قال : وقال إسحاق بن راهويه . هو واجب فإن تركه عمدا بطلت صلاته . وهذا النقل عن إسحاق غير معروف ولا يصح عنه ، وقال القاضي أبو الطيب والعبدري : غلط الشيخ أبو حامد في حكايته وجوبه عن داود ، بل مذهب داود أنه سنة ; لأن أصحابنا نصوا أنه سنة ، وأنكروا وجوبه ولا يلزم من هذا الرد على أبي حامد . واحتج لداود بظاهر الأمر ، واحتج أصحابنا بما احتج به الشافعي في الأم والمختصر بحديث أبي هريرة الذي ذكرناه : " { لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة } " قال الشافعي - رحمه الله - : لو كان واجبا لأمرهم به ، شق أو لم يشق . قال العلماء في هذا الحديث إن الأمر للوجوب واستدل أصحابنا بأحاديث أخر وأقيسة ، ولا حاجة إلى الإطالة في الاستدلال إذا لم نتيقن خلافا ، والأحاديث الواردة بالأمر محمولة على الندب جمعا بين الأحاديث والله أعلم .


واعلم أن السواك سنة في جميع الأحوال إلا للصائم بعد الزوال ، ويتأكد استحبابه في أحوال ، هكذا قاله أصحابنا . وعبارة المصنف توهم اختصاص الاستحباب بالأحوال الثلاثة المذكورة وليس الحكم كذلك بل هو مستحب [ ص: 328 ] في كل الأحوال لغير الصائم لقوله صلى الله عليه وسلم : " { السواك مطهرة للفم مرضاة للرب } " . وأما الأحوال التي يتأكد الاستحباب فيها فخمسة : أحدها : عند القيام إلى الصلاة ، سواء صلاة الفرض والنفل ، وسواء صلى بطهارة ماء أو تيمم أو بغير طهارة كمن لم يجد ماء ولا ترابا وصلى على حسب حاله ، صرح به الشيخ أبو حامد والمتولي وغيرهما . الثاني : عند اصفرار الأسنان ودليله حديث : " { السواك مطهرة } " وأما احتجاج المصنف له بحديث العباس فلا يصح لأنه ضعيف كما سبق . الثالث : عند الوضوء اتفق عليه أصحابنا ، ممن صرح به صاحبا الحاوي والشامل وإمام الحرمين والغزالي والروياني وصاحب البيان وآخرون ، ولا يخالف هذا اختلاف الأصحاب في أن السواك هل هو من سنن الوضوء أم لا ؟ فإن ذلك الخلاف إنما هو في أنه يعد من سنن الوضوء أم سنة مستقلة عند الوضوء لا منه ، وكذا اختلفوا في التسمية وغسل الكفين ولا خلاف أنهما سنة ، وإنما الخلاف في كونها من سنن الوضوء ، ودليل استحبابه عند الوضوء حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " { لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء } " وفي رواية : { لفرضت عليهم السواك مع الوضوء } وهو حديث صحيح رواه ابن خزيمة والحاكم في صحيحيهما وصححاه وأسانيده جيدة ، وذكره البخاري في صحيحه في كتاب الصيام تعليقا بصيغة جزم ، وفيه حديث آخر في الصحيح ذكرته في جامع السنة تركته هنا لطوله . الرابع : عند قراءة القرآن ذكره الماوردي والروياني وصاحب البيان والرافعي وغيرهم . والخامس : عند تغير الفم ، وتغيره قد يكون بالنوم وقد يكون بأكل ما له رائحة كريهة ، وقد يكون بترك الأكل والشرب ، وبطول السكوت ، قال صاحب الحاوي : ويكون أيضا بكثرة الكلام والله أعلم . هذه الأحوال الخمسة التي ذكرها أصحابنا ، وفي صحيح مسلم عن عائشة { أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك } " والله أعلم .

( فرع ) إذا أراد أن يصلي صلاة ذات تسليمات كالتراويح والضحى ، وأربع ركعات سنة الظهر أو العصر ، والتهجد ونحو ذلك استحب أن يستاك [ ص: 329 ] لكل ركعتين لقوله صلى الله عليه وسلم : " { لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة أو مع كل صلاة } " وهو حديث صحيح كما سبق .

( فرع ) قال المزني في المختصر : قال الشافعي - رحمه الله - : أحب السواك للصلوات عند كل حال تتغير فيها الفم . كذا وقع في المختصر " عند " بغير واو ، قال القاضي حسين أخل المزني بالواو ، وكذا قاله غير القاضي ، وهو كما قالوه فقد قاله الشافعي - رحمه الله - في الأم بالواو ، واتفق نص الشافعي - رحمه الله - والأصحاب على أن السواك سنة عند الصلاة ، وإن لم يتغير الفم .

( فرع ) في أول كتاب النكاح من الترمذي عن أبي أيوب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أربع من سنن المرسلين : الحياء والتعطر والسواك والنكاح } " قال الترمذي : حديث حسن ، هذا كلامه وفي إسناده الحجاج بن أرطاة وأبو الشمال ، والحجاج ضعيف عند الجمهور ، وأبو الشمال مجهول فلعله اعتضد بطريق آخر فصار حسنا ، وقوله : الحياء هو بالياء لا بالنون وإنما ضبطته لأني رأيت من صحفه في عصرنا وقد سبق بتصحيفه ، وقد ذكر الإمام الحافظ أبو موسى الأصبهاني هذا الحديث في كتابه الاستغناء في استعمال الحناء وأوضحه وقال : هو مختلف في إسناده ومتنه ، يروى عن عائشة وابن عباس وأنس وجد مليح كلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : واتفقوا على لفظ الحياء قال : وكذا أورده الطبراني والدارقطني وأبو الشيخ وابن منده وأبو نعيم وغيرهم من الحفاظ والأئمة ، قال : وكذا هو في مسند الإمام أحمد وغيره من الكتب . ومرادي بذكر هذا الفرع بيان أن السواك كان في الشرائع السابقة والله أعلم .

لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح

جاءت شريعتنا الإسلامية الغراء بكل ما يحفظ النفس المسلمة من التعدي عليها أو إزهاقها وقتلها بغير حق، كما جعلت ارتكاب ذلك كبيرة من الكبائر تستحق القصاص، وفوق ذلك كله سدّت جميع الطرق الموصلة إلى ذلك، ومن ذلك الإشارة إلى المسلم بالسلاح -ولو كان مزاحاً-، سدًّا للذريعة وحسماً لمادة الشر التي قد تفضي إلى القتل.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه عنه أبو هريرة رضي الله عنه: (لا يشيرُ أحدكم على أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده، فيقع في حفرة من النار) متفق عليه، وفي رواية لمسلم قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: (من أشار إلى أخيه بحديدةٍ فإن الملائكة تلعنُه حتى يدعَها، وإن كان أخاه لأبيه وأمه).


شرح الحديث

هذا التوجيه النبوي العظيم يحث على ترك ما يُفضي إلى المحظور، وإن لم يكن المحظور محققًا، سواء كان ذلك في جدّ أو هزل، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يشيرُ أحدكم على أخيه بالسلاح) هذا نفي بمعنى النهي -وهو أبلغ من النهي-، أي لا تجوز الإشارة على المسلم بالسلاح مطلقا.

ثم عقّب بذكر علة ذلك فقال: (فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزِعُ -وفي رواية: ينزِغُ- في يده، فيقع في حفرة من النار) أي قد يقصد الإنسان المزاح مع أخيه عندما يشير إليه بسلاحه، فيرمي الشيطان في يده فيحقق ضربته فيقتل أخاه أو يجرحه، وعندها يكون قد ارتكب الإثم الذي يجعله يقع في حفرة من النار، يقول الحافظ ابن حجر في فتح الباري: "المراد أنه يغري بينهم حتى يضرب أحدهما الآخر بسلاحه، فيحقق الشيطان ضربته له".

وفي الرواية الأخرى: (من أشار إلى أخيه بحديدةٍ فإن الملائكة تلعنُه حتى يدعَها، وإن كان أخاه لأبيه وأمه) فيه تأكيد حرمة المسلم والنهي الشديد عن ترويعه وتخويفه والتعرض له بما قد يؤذيه، يقول الإمام النوويّ في شرحه على صحيح مسلم: "هذا مبالغة في إيضاح عُموم النهي في كلِّ أحدٍ، سواء من يُتَّهم فيه ومن لا يتَّهم، وسواء كان هذا هزلاً ولعبًا أم لا؛ لأن ترويعَ المسلم حرامٌ بكلِّ حال ولأنه قد يسبقه السلاح كما صرح به في الرواية الأخرى".
وقد اختلف في معنى "النزع أو النزغ"، هل هو على حقيقته أم أنه مجازيّ، لكن مؤداهما واحد، يقول الحافظ العراقي في طرح التثريب: "يحتمل أن يكون الحديث على ظاهره في أن الشيطان يتعاطى بيده جرح المسلم، أو يغري المشير حتى يفعل ذلك على خلاف الروايتين "ينزع، وينزغ"، ويحتمل أنه مجازٌ على طريقة نسبة الأشياء القبيحة المستنكرة إلى الشيطان، والمراد: سبق السلاح بنفسه من غير قصد، وفي الحديث تأكيد حرمه المسلم، والنهي الشديد عن ترويعه وتخويفه والتعرض له بما قد يؤذيه".

ما يشمله التوجيه النبوي

ومما يندرج في النهي: ما يفعله بعض الناس في عصرنا الحاضر، أن يأتي بالسيارة مسرعا نحو شخص -واقف أو جالس أو مضطجع- يلعب معه، ثم يحركها بسرعة إذا قرب منه حتى لا يدهسه؛ لأنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فلا يتحكم في السيارة، وحينئذ يقع في حفرة من النار، أو يغري كلبه به، كأن يكون عنده كلب ويأتيه آخر يزوره أو نحو ذلك، فيشري الكلب به -يغريه به-، فإنه ربما ينطلق الكلب فيؤذي هذا الرجل أو يجرحه، ولا يتمكن صاحبه من فضه بعد ذلك.
والخلاصة أن جميع أسباب الهلاك يُنهى الإنسان أن يفعلها، سواء أكان جادًّا أم هازلا، وبالله التوفيق.

إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين..

يعرِض للواحد منا في حياته أمورٌ يتحير فيها، وتُشكِل عليه، ويخفى عليه وجه الصواب والرشاد فيها، فيحتاج إلى الاستعانة واللجوء إلى الله العليم القدير سبحانه وتعالى، الذي لا تخفى عليه خافية، حتى يوفقه إلى الصواب والهدى فيما يمرُّ به، وفيما يُشكِل ويَخفى عليه.
وقد بيّن لنا رسولنا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم كيفية هذا اللجوء إلى الله والاستعانة به من خلال هذا التوجيه النبوي العظيم، الذي نقله إلينا الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما، حيث قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلِّمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلِّمنا السورة من القرآن، يقول: (إذا همَّ أحدكم بالأمْر فليَركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدِرك بقدرَتِك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدِر، وتعلَم ولا أعلَم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنتَ تعلَم أن هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: عاجل أمري وآجله - فاقدره لي، ويَسِّرْه لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضِنِي به) متفق عليه.

معنى الاستخارة

الاستخارة في اللغة: طلب الخِيَرة في الشيء، وفي الاصطلاح: طلب الاختيار، أي طلب صرف الهمة لما هو المختار عند الله، والمراد: طلب خير الأمرين لمن احتاج إلى أحدهما.

حاصل ما ذكره الحافظ ابن حجر في شرح الحديث

قوله: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها" قال ابن أبي جمرة: هو لفظ عام أريد به الخصوص, فإن الواجب والمستحب لا يستخار في فعلهما، والحرام والمكروه لا يستخار في تركهما, فانحصر الأمر في المباح وفي المستحب إذا تعارض منه أمران أيهما يبدأ به ويقتصر عليه، قلت - أي ابن حجر - : ويتناول العموم العظيم من الأمور والحقير, فرب حقير يترتب عليه الأمر العظيم.

وقوله: (فليركع ركعتين من غير الفريضة) فيه احتراز عن صلاة الصبح مثلا، قال ابن أبي جمرة: الحكمة في تقديم الصلاة على الدعاء أن المراد بالاستخارة حصول الجمع بين خيري الدنيا والآخرة فيحتاج إلى قرع باب المَلِك, ولا شيء لذلك أنجع ولا أنجح من الصلاة؛ لما فيها من تعظيم الله والثناء عليه والافتقار إليه مآلا وحالا.

وقوله: (ثم ليقل) ظاهر في أن الدعاء المذكور يكون بعد الفراغ من الصلاة ويحتمل أن يكون الترتيب فيه بالنسبة لأذكار الصلاة ودعائها فيقوله بعد الفراغ وقبل السلام.

وقوله: (اللهم إني أستخيرك بعلمك) الباء للتعليل أي لأنك أعلم, وكذا في قوله: (بقدرتك)، ويحتمل أن تكون للاستعانة، وقوله: (وأستقدرك) معناه أطلب منك أن تجعل لي قدرة على المطلوب, ويحتمل أن يكون المعنى أطلب منك أن تقدِّره لي, والمراد بالتقدير التيسير.

وقوله: (وأسالك من فضلك) إشارة إلى أن إعطاء الرب فضل منه, وليس لأحد عليه حق في نعمه، كما هو مذهب أهل السنة، وقوله: (فإنك تقدر ولا أقدر, وتعلم ولا أعلم) إشارة إلى أن العلم والقدرة لله وحده, وليس للعبد من ذلك إلا ما قدّر الله له.

وقوله: (اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر وفي رواية: ثم يسميه بعينه) ظاهر سياقه أن ينطق به, ويحتمل أن يكتفي باستحضاره بقلبه عند الدعاء، وقوله (فاقدره لي) أي نَجِّزه لي, وقيل معناه يسره لي.

وقوله: (فاصرفه عني واصرفني عنه) أي حتى لا يبقى قلبه بعد صرف الأمر عنه متعلقا به, وقوله: (ثم أرضني) أي اجعلني بذلك راضيا فلا أندم على طلبه ولا على وقوعه، لأني لا أعلم عاقبته، وإن كنت حال طلبه راضيا به، والسرّ فيه أن لا يبقى قلبه متعلقا به فلا يطمئن خاطره، والرضا: سكون النفس إلى القضاء.

في رحاب التوجيه النبوي

- الرضا والتسليم: دُعاء الاستخارة فيه تفويض الأمر إلى الله تعالى مع بذل سبب الدعاء، وهذا هو المعنى الحقيقي للتوكل، يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "إن الرجل ليستخير الله فيختار له، فيسخط على ربه، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة، فإذا هو قد خار له"، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا أُبالي أصبحت على ما أحب أو على ما أكره، لأني لا أدري الخير فيما أحب أو فيما أكره"، وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: "فالمقدور يكتنفه أمران: الاستخارة قبله، والرضا بعده".

- الاستخارة والاستشارة: حثنا الله جل وعلا أيضًا على الشورى وأخذ رأي العقلاء والحكماء، والجمع بين الخيرين يكون بالاستخارة ثم الاستشارة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ما ندم من استخار الخالق، وشاور المخلوقين المؤمنين وتثبت في أمره، فقد قال سبحانه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران: 159)".

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...
- See more at: http://www.pro3net.com/2013/07/blog-post_20.html#sthash.OTn1uT7L.dpuf